هل سئلت نفسك لماذا يستمر نفس مسلسل الفشل والاخفاق الذي يلازم هذا البلد منذ سنوات رغم كل المحاولات والتضحيات، ورغم كل النوايا الطيبة والامكانيات والميزات الطبيعية من ثروات الى موقع مميز ومناخ معتدل وتجانس سكاني وقلة الكورات الطبيعية، والخ الخ من الميزات التي لا تحلم بها الشعوب الاخرى والتي كان ينبغي ان تجعل من هذا البلد واحد من اغنى وافضل دول العالم؟
السنوات الاخيرة اظهرت ان لدينا للاسف كميات كبيرة من الجعانين الذين فقدوا ابسط مقومات الضمير والانسانية ومستعدين لبيع وطنهم واهلهم في سبيل ذواتهم المريضة المتضخمة. هذا واقع مؤسف لا يمكن انكاره، ولكنه ليس السبب الرئيسي في حالة الفشل والاخفاق المزمن، وهذه الفئة الرخيصة يقابلها على الناحية الاخرى فئة اخرى من الذين نحسبهم من الصادقين الذين يريدون الخير والصلاح، والله حسيبنا وحسيبهم.
هذه الفئة التي تسعى الى الخير والصلاح ليست صغيرة بل من الممكن القول انها الغالبية، ولكنها تعاني من قلة الفاعلية المزمنة التي تجعل مجهوداتها وتضحياتها تضيع ادراج الرياح.
فما هو السبب في ذلك، وما هو العلاج؟؟
توضيح وشرح السبب بشكل مفصل يستحق عشرات الصفحات، ولكن لا بأس من محاولة اختصار الموضوع في اسطر قليلة وترك التفاصيل الى مناسبات اخرى:
من البداهة والمنطق صعوبة او تعذر الوصول الى حل للمشكلة اذا كان الذين يحاولون الوصول الى الحل لا يعرفون ما هي المشكلة اصلا!!! البعض يعتقدون ان هذا الكلام مزاح، ولكنه الحقيقة والواقع، والليبيون يحاولون فعلا حل مشكلتهم دون ان يعرفوا ما هي المشكلة،، وبامكانك التيقن بنفسك من صحة هذا الكلام بمجرد التعرف على ما هي مطالب وطموحات الليبيين الذين يريدون التغيير؟
النسبة الغالبة تطالب بتغيير الوجوه والاسماء المتصدرة، وتغيير الوجوه والاسماء امر مطلوب ولكنه لن يحقق شيئ اذا بقى نفس النموذج الريعي الليبي المتحور والبشع والذي يمكن وصفه بانه نموذج اجرامي لانه السبب المباشر في مأسي العباد والبلاد.
المطلب الصحيح الطبيعي هو المطالبة بالتخلص من هذا النموذج الريعي بقضه وقضيضه وردمه في الصحراء او القاءه في البحر، بقضه وقضيضه، دون تضييع الوقت في المحاولات الساذجة والعبثية لاصلاحه او ترقيعه لانه غير قابل للاصلاح ولا للترقيع، والحل الوحيد هو كنسه ومسحه وتطهير ارض وسماء هذا البلد من رجسه وقبحه، وبالتوازي مع ذلك يمكن التفكير بتغيير الوجوه والاسماء والاستعانة بالاسماء التي تبرهن فعلا على انها تعرف جذور المرض ولديها مشروع واضح ومحدد وموثق وقابل للقياس للتخلص من هذه الجذور واعادة الحياة والامل الى هذه البقعة التي طال ليلها بدون مبرر.
عندما يصبح مطلب الليبيين وهاجسهم واولويتهم هو التخلص من هذا النموذج الريعي فان التغيير سيقع باذن الله، ولن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم ويحترموا عقولهم.
هناك نسبة اخرى مشغولة بالمطالبة بالدستور وتعتقد او بالاحرى تتوهم ان وجود وثيقة اسمها الدستور سوف يحل مشاكل هذا البلد. وانا وباسمي الواضح الصريح اقول لهؤلاء ان الدستور في ظل النموذج الريعي الاقطاعي الحالي سيكون مجرد نكتة بايخة اخرى لا تختلف عن نكتة ديمقراطية مجلس نواب عقيلة صالح! الدستور هو احد العناصر او الوسائل الديمقراطية المصممة خصيصا لكي تعمل في دولة يمتلكها مواطنوها ( ما يسمى بالنموذج الرأسمالي)، والحديث عن الدستور والديمقراطية في نموذج ريعي مثل الموجود عندنا يشبه الحديث عن مشروع لتربية الحوت على البر.
هناك نسبة اخرى تطالب بعودة الملكية، ونسى هؤلاء ان الزمن لا يعود الى الوراء وان ليبيا في سنة 2026 ليست هي نفسها كما كانت في سنة 1951 او حتى في سنة 1969 او حتى قبل شهرين، وشخص الملك ادريس الذي كان النظام الملكي يقوم عليه بشكل شبه كامل لم يعد موجود، وهو ـ رحمه الله ـ لم يعرف كيف يحول مملكته الى دولة مؤسسات محصنة بالوعي والنظام ولا تعتمد على فرد او قبيلة والدليل ان تلك المملكة انهارت في لحظات مثل براكة من ورق الدومينو.
وقس على ذلك، مطالب وهمية وجموع غاضبة تطالب بالتغيير والاصلاح وهي لا تعرف ما هي المشكلة ولا ما هو الذي تريده على وجه التحديد، فأنى لهذه الجموع ان تحقق نتيجة.
بصيص الامل المتبقي لهذا البلد هو مشروع دولة المواطنة الذي حدد جذور المرض الليبي، وحدد البديل الواضح المحدد القابل للقياس، وحدد ملامح الصيغ السياسية والادارية والوسائل والاليات والمراحل التي من شأنها ان تنتشل هذا البلد من حافة الضياع والانهيار التي يقف عليها الان الى طريق الخلاص، والقرار بيد الليبيين وحدهم، وبامكانهم ان يقرروا الاستمرار في الجري بلا خريطة كما هو حالهم منذ سنوات طويلة، وبامكانهم ايضا ان يقرروا الاطلاع على هذا المشروع الحضاري، واستيعابه، واذا لم يقتنعوا به فسوف لن يخسروا شيئ ويمكن لمن يشاء العودة الى الجري واللهث بدون خريطة، واذا اقتنعوا فان امامهم الالتفاف حول هذا المشروع والخروج الى الشوراع والميادين ليس للمطالبة به بل لفرضه، فالشعوب الحرة لا تطلب بل تأمر، والامر لله من قبل ومن بعد.
عبدالحكيم الثليب
#مشروعدولةالمواطنة