نموذج ومثال حول كيف تعمل اقتصاديات الدول التي تنتمي الى هذا العصر..

By مشروع دولة المواطنة (@mowatana.bsky.social)
Published:

هذه قصة حقيقية لمشروع سد لتوليد الكهرباء في مقاطعة بريتش كولمبيا الكندية شارك في تخطيطه وتنفيذه شاب ليبي اعرفه شخصيا ويعمل مع الشركة الكندية التي نفذت المشروع وهو الذي روي لي القصة، وهذا الشاب هرب من الاقطاعية الليبية الريعية التي تعمل حسب نظريات التخنيس والفهلوة الشرقية وذهب الى كندا التي يوجد فيها نظام مصمم بعناية لكي يعرف قيمة البشر وقيمة المواهب ولكي يتيح الفرص المتكافئة للجادين والمجتهدين، ونورد هذه القصة لتوضيح كيف تعمل اقتصاديات العالم في القرن 21.

قطاع الكهرباء في كندا عبارة عن سوق مفتوح للمنافسة، وهناك شركات لديها محطات لتوليد الكهرباء، وشركات اخرى تتولى تشغيل وتطوير وصيانة الشبكة، وشركات لتسويق الكهرباء بالجملة وشركات اخرى تبيع الكهرباء بالتجزئة للمستهلكين، ويخضع قطاع الكهرباء للمراقبة والمتابعة من طرف حكومات المقاطعات الكندية، وعلى سبيل المثال فان شركات الكهرباء لاتستطيع في العادة رفع اسعار الكهرباء للمستهلكين من تلقاء نفسها ولكن عليها ان تقوم بتقديم طلب الى الهيئة المختصة بالكهرباء التي تتبع المقاطعة تطلب فيه زيادة السعر مع توضيح الاسباب، والهيئة المختصة تقوم بدراسة الطلب ولديها الصلاحيات للموافقة عليه او تعديله او رفضه.

احدى شركات الكهرباء المساهمة في مدينة كالغاري الكندية قامت بدرسة جدوى لمشروع اقامة سد لتوليد الكهرباء على احد الانهار الواقع في جبال مقاطعة بريتش كولمبيا، واستنتجت ان هناك توقعات لطلب متزايد على الكهرباء في المقاطعة، وان المشروع سوف يكلف حوالي 900 مليون دولار كندي ويمكنه توليد كمية كهرباء تكفي لتغطية تكاليف المشروع في خلال حوالي 13 سنة كحد اقصى بحيث يصبح بعدها اصل يحقق عوائد، وقامت الشركة بعرض المشروع على حكومة مقاطعة بريتش كولمبيا التي وافقت على تأجير الموقع لمدة 99 سنة قابلة للتجديد وتعهدت بانها ستكون مستعدة لشراء الكهرباء التي سيتم توليدها لمدة 30 سنة بسعر تم تحديده بحيث يغطي الحد الادنى لتكاليف التشغيل والصيانة مع ترك الباب مفتوح للشركة المنفذة لبيع الكهرباء المولدة من السد بالسعر المتاح في السوق المفتوح اذا اختارت الشركة القيام بذلك.

عندها انطلقت الشركة للبحث عن مصادر لتمويل المشروع في اسوق المال وقامت بعرض المشروع مع دراسة الجدوى على الصناديق والجهات الاستثمارية التي تبحث عن مشاريع لاستثمار الاموال المتوفرة لديها وتحقيق عوائد ومن بينها صناديق التقاعد وشركات التأمين والمصارف وغيرها، وسرعان ما تمكنت الشركة من تأمين الاستثمارات والاموال اللازمة لتنفيذ المشروع وشرعت في تنفيذ المشروع حيث استغرق التنفيذ حوالي 3 سنوات، دخل بعدها السد في مرحلة توليد الكهرباء وتمكنت الشركة المنفذة من تأمين عقود طويلة الاجل لبيع الكهرباء التي يتم توليدها لشركات تسويق الكهرباء بالجملة بحيث ان المشروع اصبح يحقق عوائد تكفي لتغطية مصاريف التشغيل وتحقيق عائد للمستثمرين.

الخلاصة هي ان المشروع بالكامل تم تخطيطه وتصميمه وتنفيذه وتشغيله وصيانته عن طريق شركات مساهمة مدرجة في سوق الاسهم وتعود ملكيتها للالاف من المستثمرين وتخضع لشروط ومعايير اسواق الاسهم الصارمة التي من بينها شروط الافصاح التي تقتضي ان الحسابات والبيانات المالية لهذه الشركات معروضة ومفروشة ومنشورة للجميع بدون اي قيود، وساهم هؤلاء المستثمرين واصحاب الاسهم في تمويل المشروع، وعوائد وارباح المشروع تعود الى هؤلاء المستثمرين، والكهرباء متوفرة ولم تنقطع ولو مرة واحدة منذ اكثر من نصف قرن، ودور الحكومة اقتصر على المراقبة والتنظيم دون ان تدفع مليم واحد، وبدون ميزانيات حكومية ولا فساد ولا عمولات ولا صفقات من تحت الطاولة، وبدون باقي الدفنقي المتخلف الذي تشتهر به اقطاعيات العالم الثالث، وللعلم فان تكلفة الكهرباء في كندا ارخص من الكهرباء في ليبيا اذا اخذنا في الاعتبار عشرات المليارات التي تبتلعها كل سنة شركة الكهرباء الليبية الحكومية الديناصورية، وتلك المليارات لم تهبط من السماء بل هي اموال الشعب الليبي التي يتم هدرها على شركة الكهرباء الليبية الحكومية الفاشلة، والذي يتحصل عليه الشعب الليبي في المقابل هو طرح الاحمال وانقطاعات الكهرباء، ومشروع دولة المواطنة يعرض البديل العملي لهذه الشركة والذي تم توضيحه وشرح ملامحه العامة في وثيقة تفكيك النموذج الريعي. . هذا مجرد مثال لتوضيح الطريقة التي تعمل بها اقتصاديات الدول التي تنتمي الى هذا العصر وتجاوزت مرحلة الصيغ الريعية الاقطاعية البالية، وقس على ذلك في مختلف المجالات الاخرى. .

عبدالحكيم الثليب

#مشروعدولةالمواطنة