صيغة الحكومة المتعددة المستويات (Multi-Level Government)، ( نظام الحكم المحلي في صيغة دولة المواطنة ).
صيغة الحكومة المتعددة المستويات مطبقة بشكل فعلي في جميع الدول الحديثة بدرجات متفاوتة وصيغ متنوعة، وسيتم في هذه الوثيقة تقديم تعريف مختصر لهذه الصيغة ومحاولة تكييفها بما يتناسب مع الخصوصية الليبية، مع التأكيد ان المقصود هو تقديم تعريف عام مختصر ومبسط لاساسيات هذا الموضوع وترك التوسع في التفاصيل لعمل اخر.
الوضع الحالي لنظام ” الحكم المحلي ” في ليبيا: لا يوجد حاليا نظام ( حكم محلي ) في ليبيا بل الموجود هو نوع من التطبيق الريعي البدائي لنظام ( الادارة المحلية ) في صورة بلديات، والموارد والسلطات والصلاحيات التي لها علاقة بهذه الادارة المحلية ( البلديات ) تتركز لدى الافراد الذين يتولون المناصب القيادية العليا في الحكومة المركزية ولديهم سلطات وصلاحيات القرار والصرف، وعدد هؤلاء الافراد لا يتجاوز بضعة اشخاص، وهذه المجموعة من الافراد هي التي تقرر معدلات وكميات الميزانيات والموارد والمشاريع المخصصة للبلديات، بينما ينحصر دور البلديات في التصرف في الميزانيات والموارد التي تخصص للبلدية وتصل اليها بشكل فعلي، وفي الكثير من الحالات فان الموارد والميزانيات التي يتم تخصيصها وصرفها للبلديات تصبح معرضة للفساد والهدر على مستوى البلدية وتتبخر دون ان يظهر لها اثر على الارض يتناسب مع تلك الموارد والميزانيات.
هذا الوضع ادى الى ما يمكن ان نطلق عليه ( انسداد الافق !)، حيث ان تركيز السلطات والصلاحيات على مستوى الحكومة المركزية ادى الى نوع من الشلل والعجز على مستوى البلديات وحرمان هذه البلديات من القيام بدورها الطبيعي في التنمية المحلية، وادى الى حالة من الاستياء والاحتجاج على مستوى البلديات، بينما في المقابل اظهرت العديد من التجارب ان توسيع نطاق الصلاحيات والميزانيات على مستوى البلديات ادى الى توسع دائرة الفساد والهدر!
كذلك فان نمط ( الادارة المحلية ) في الصورة البدائية المطبقة حاليا ادى الى ما يسمى بظاهرة ( التهميش ) التي تتمثل في وقوع السلطة المركزية في التمييز في المعاملة بين المناطق بحيث ان هناك مناطق تتحصل على المخصصات والميزانيات والمشاريع بينما تعاني مناطق اخرى من التجاهل والتصحر.
هذه الظواهر والمشاكل والثغرات المتعلقة بنمط الادارة المحلية الحالي ليست مفاجئة او غريبة، بل من متوقعة وحتمية وهي جزء من نتائج النموذج الريعي المطبق في هذا البلد، وبدائية وسطحية هذا النمط سوف لن تبدو واضحة الا عند مقارنتها بنظام ( الحكم المحلي ) الحقيقي المطبق في الدول الحديثة والذي يقوم على اساس صيغة الحكومة المتعددة المستويات التي تهدف هذه الوثيقة الى التعريف بها وتقديم ملامحها الاساسية العامة.
صيغة الحكومة المتعددة المستويات (Multi Level Government ):
في البداية لابد من الاشارة الى ان صيغة الحكومة المتعددة المستويات ترتبط بشكل عضوي مع نظام الضرائب الذي يعتبر احد اساسيات واعمدة صيغة الدولة الحديثة، حيث تعتمد الحكومة في المستويين المركزي والمحلي على عوائد الضرائب في تغطية مصاريفها وميزانياتها، ولهذا السبب فان صيغة الحكومة المتعددة المستويات كما هي معروضة في هذه الوثيقة لا تتناسب وغير قابلة للتطبيق مع النموذج الريعي الذي لا تشكل فيه عوائد الضرائب اهمية تذكر بل يعتمد على المصدر الريعي وعلى ما تقرره وتخصصه الحكومة المركزية للمناطق والوحدات المحلية.
الاساس الذي يقوم عليه نظام الحكومة المتعددة المستويات هو تقسيم المسئوليات بين مستوى الحكومة المركزي ومستوى الحكومات المحلية المنتخبة، وفي نفس الوقت تقسيم عوائد الرسوم والضرائب بما يتناسب ويتوافق مع تقسيم المسئوليات، بحيث يصبح لدى الحكومة المحلية ( البلدية ) قاعدة ضريبية (Tax Base ) خاصة بها تشمل الحدود الادارية للبلدية، ويشمل هذا الترتيب مشاركة البلدية في وضع السياسات الضريبية التي لها علاقة بمستوى البلدية وتحديد نسب الضرائب داخل نطاق قاعدتها الضريبية، وكل ذلك ضمن السياسات الضريبية التي تحددها الدولة، وتشمل ايضا صلاحيات جباية العوائد الضريبية والتصرف في هذه العوائد دون الحاجة للعودة الى الحكومة المركزية.
هذه الصيغة التي تقوم على تقسيم المسئوليات وتقاسم عوائد الضرائب بما يتناسب مع المسئوليات مصصمة لكي تؤدي الى خلق مناخ تنافسي ايجابي وشفاف بين البلديات، حيث ستفتح مجال التنافس الايجابي بين البلديات وتحفز وتدفع كل بلدية الى العمل على توسيع وتنشيط قاعدتها الضريبية وتشجيع وجذب الاستثمارات بما يحقق لها عوائد ضريبية اعلي، وهي مصممة ايضا لكي تؤدي الى التخلص من ظاهرة ” التهميش ” والتمييز في المعاملة بين المناطق التي تشكوا منها الكثير من البلديات والمناطق في الصيغة المركزية التقليدية التي تقوم على انتظار المخصصات والميزانيات والعطايا التي تمنحها الحكومة المركزية للبلديات، بينما في صيغة الحكومة المتعددة المستويات فان البلدية تعتمد على مواردها الضريبية الذاتية بالاضافة الى ما تقوم بتطويره من استثمارات، وسيكون المجال متاح امام كل بلدية لتوسيع وتطوير وتنشيط معدلات ومستويات النشاط الاقتصادي داخل البلدية بما يؤدي الى رفع وزيادة عوائدها الضريبية.
تقسيم المسئوليات ينص في العادة على تولى مستوى الحكومة المركزي الصلاحيات السيادية على كامل تراب الدولة ويشمل ذلك امن الدولة والدفاع والقوات المسلحة الوطنية، والعلاقات الخارجية، والقضاء، ووضع السياسات النقدية والمالية والضريبية، ووضع السياسات والمعايير لمختلف القطاعات الخدمية مثل الصحة والتعليم والكهرباء وغيرها.
على المستوى المحلي تتولى الحكومات المحلية الجوانب الخدمية مثل التخطيط العمراني والحرس البلدي والخدمات البيئية والحدائق والمتنزهات والمكتبات العامة، وتتولى كذلك تخطيط المناطق الاقتصادية والصناعية، وتنظيم العمالة الاجنبية على مستوى البلدية وغيرها من المهام والخدمات ذات الطابع المحلي.
هناك ايضا بعض المهام والخدمات والمسئوليات التي من الممكن ان تكون مشتركة بين مستوى الحكومة المركزي ومستوى الحكومة المحلي، وعلى سبيل المثال فان بالامكان تقسيم مسئوليات قطاع التعليم الاساسي بين المستويين المركزي والمحلي بحيث يتولى مستوى الحكومة المركزي ممثلا في وزارة التعليم العام مهام ومسئوليات الجانب التنموي الاستراتيجي ويشمل ذلك وضع الاطار العام الاستراتيجي لقطاع التعليم ووضع المقاييس والمعايير، وتصميم وصياغة وتجهيز المناهج والكتب المدرسية، وكذلك المساهمة والمشاركة في تمويل بناء المدارس والمرافق والمنشئات التعليمية الجديدة بحيث يمكن تقسيم نسبة المشاركة في التغطية المالية لكي تكون على سبيل المثال 70٪ مسئولية المستوى المركزي و30 ٪ مسئولية المستوى المحلي، وفي المقابل يتولى مستوى الحكومة المحلي ممثلا في مراقبة او مديرية التعليم الاساسي داخل نطاق البلدية مهام ومسئوليات الجانب التشغيلي التكتيكي اليومي لقطاع التعليم داخل البلدية، ويشمل ذلك تحمل مسئولية ومصاريف التشغيل اليومي والصيانة للمنشئات والمباني التعليمية وتوفير مستلزمات التشغيل اليومي باستثناء الكتب المدرسية، كذلك فأن بالامكان تقاسم ميزانيات المرتبات بحيث يمكن تحديد مرتب اساسي للمدرسين والعاملين في قطاع التعليم يكون موحد على مستوى كامل الدولة وتتحمل مسئوليته الحكومة المركزية، وفي نفس الوقت يمكن لحكومة البلدية المحلية تخصيص موارد مالية اضافية من موارد البلدية الذاتية تخصص لمنح علاوات او مكافئات للعاملين في قطاع التعليم الاساسي داخل البلدية، وهذا الترتيب او النموذج في قطاع التعليم الاساسي سوف يخلق جملة من الميزات الهامة من بينها تحويل اختصاصات ومسئوليات وصلاحيات الناحية التشغيلية بما في ذلك التغطية المالية بالكامل الى المستوى المحلي الذي هو اقرب الى الواقع على الارض واقرب الى الناس ويمكنه الاستجابة السريعة والتكيف بمرونة مع الوضع على الارض، وكذلك ايجاد نوع من التنافس الايجابي بين البلديات حيث من المتوقع ان يظهر نوع من التنافس والتباين بين البلديات في الاهتمام بهذا القطاع والاستعداد لتخصيص جزء اكبر من موارد البلدية الذاتية لدعمه.
الذي ينطبق على مثال قطاع التعليم يمكن ان ينطبق على العديد من القطاعات الاخرى مثل الصحة والمواصلات والتخطيط العمراني والمناطق الصناعية وغيرها بما يخلق مناخ تنافسي ايجابي بين البلديات.
توجد صور مختلفة ومتنوعة للناحية التطبيقية لصيغة الحكومة المتعددة المستويات:
هناك على سبيل المثال الشكل الفيدرالي الذي يتكون في العادة من 3 مستويات: مستوى الحكومة المركزية + مستوى حكومة الولاية او المقاطعة + مستوى حكومة البلدية، وهذا النموذج مطبق في الدول التي توجد بها اقتصاديات كبيرة وكثافة سكانية عالية ومساحات واسعة بما يبرر التعقيدات والتكاليف الباهضة للنظام الفيدرالي، وللتذكير فان النظام الفيدرالي يقتضي ان كل ولاية او مقاطعة تعتبر دولة داخل الدولة ولها دستور خاص بها وبرلمان وسلطة تشريعية وسلطة تنفيذية وسلطة قضائية مستقلة وجهاز امني مستقل لا يخضع الا لحكومة الولاية، بل من الممكن ان يكون للولاية تمثيل خارجي خاص بها مع الدول الاخرى، وهذا النظام المعقد قد يناسب دولة توجد فيها ولايات تعادل في حجمها وحجم اقتصادها دول كاملة، وعلى سبيل المثال فان ولاية واحدة في النظام الفيدرالي الامريكي اسمها ولاية كاليفورنيا تحتل الترتيب الخامس على مستوى العالم من حيث حجم الاقتصاد والناتج القومي ويبلغ عدد سكانها حوالي 44 مليون نسمة بما يمكن ان يبرر حجم ومصاريف وتعقيدات النظام الفيدرالي، وقس على ذلك.
وهناك ايضا الشكل او النموذج الذي يتكون من مستويان فقط: مستوى الحكومة المركزية + مستوى الحكومة المحلية (البلدية)، وبالامكان اضافة مستوى اخر ( اختياري ) يقوم على رغبة مجموعة من البلديات المتجاورة للتنسيق الاختياري في ما بينها وتكوين اطار تنظيمي اداري يمكن تسميته ( محافظة ) او ( منطقة ) او ( اقليم ) او غيرها من الاسماء، وبحيث يقع هذا الجسم بين المستوى المركزي والمستوى المحلي و بما يوفر ميزات اضافية للبلديات التي يتكون منها هذا الجسم، وتشمل هذه الميزات القدرة على التنسيق والعمل المشترك وتجنب عيوب وثغرات البلديات القزمية الصغيرة التي قد تجد صعوبة في ادارة وتنمية مواردها الذاتية، وينبغي توفير بعض الميزات والمحفزات على مستوى سياسات الدولة الضريبية والمالية لتشجيع مثل هذا التنسيق بين البلديات، وفي تقديرنا فان هذا هو النظام الانسب بالنسبة الى الحالة الليبية التي لا تستوجب حجم وتعقيدات ومصاريف النموذج الفيدرالي الباهضة على اعتبار ان ليبيا بلد صغير نسبيا من حيث عدد السكان والحجم الاقتصادي، على شرط الانتقال من الطريقة البدائية الحالية الخالية من المضمون التي يقوم عليها حاليا نظام ( الادارة المحلية) الليبي الحالي، الى نظام ( حكم محلي ) بصلاحيات وموارد ذاتية حسب نموذج الحكومة المتعددة المستويات الذي تم تقديمه وتوضيح ملامحه واساسياته العامة.
ما هي القاعدة الضريبية ( The Tax Base): هي الاصول والنشاطات الخاضعة للضرائب وللسياسات الضريبية التي توجد ضمن الحدود الجغرافية التي تتبع سلطة او جهة معينة، وفي حالة الحكومة المركزية فان القاعدة الضريبية تشمل جميع حدود الدولة المعترف بها دوليا، اما في حالة التقسيمات المحلية مثل البلديات، فأن القاعدة الضريبية لليلدية تشمل الحدود الادارية المحددة والمتعارف عليها للبلدية. ………